الانتحار

#الانتحار

د. قــدر الدغمـي
نلاحظ وبشكل ملفت للنظر ازدياد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار في مختلف مناطق المملكة خاصة في الأيام الأخيرة، وبالرغم من أنها لم تصبح ظاهرة بعد، فهذا يستدعي الوقوف على الاسباب والمسببات التي تدعو الشخص للشروع في الانتحار، قبل أن يتحول الانتحار إلى ظاهرة في المجتمع ويصعب الحد منها أو ايقافها.
يعتبر دروكاييم أول سيسيولوجي أهتم بدراسة معدلات الانتحار، حيث تحدث في ذلك بإسهاب، وفصل ذلك في كتابه “الانتحار”، وبين وقسم الانتحار إلى الانتحار “الأناني” والانتحار “الإيثاري” وفي الأخير تحدث عن الانتحار “اللامعياري”، فيؤكد دوركاييم أن الانتحار اللامعياري راجع إلى التّغيرات المفاجئة والمأساوية، التي تحصل بالمجتمعات جراء اختلال أو اضطراب ضوابط المجتمع، إيجابا كان أو سلبا، مع مراعاة الفروقات الفردية بين البشر.
إن طبيعة التغيرات التي حصلت في العقود الأخيرة في مجتمعنا، أدت بشكل ملحوظ إلى تقليص الدور السلطوي للمجتمع الذي كان يمارسه على الفرد، الشيء الذي أدي إلى زعزعة وخلخلة المعايير، وتجاوز الكثير من الانماط والضوابط، التي كان يقوم عليها المجتمع، هذا التجاوز أدي إلى تفكيك معظم الروابط التي كانت تؤمن للفرد شعوره بالأمان وارتباطه بالحياة.
إن التعطيل المؤقت للدور الذي كان يلعبه المجتمع، والأمان الذي كان يوفره للأفراد، وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم ثقة الفرد في المؤسسات البديلة، هذا بالإضافة إلى صعوبات الحياة اليوم، يمكن أن يدفع الفرد إلى التفكير في إنهاء حياته، فهناك عوامل أخري لا يمكن تجاوزها، وهي العوامل النفسية، وهذا يرجع لأهل الاختصاص، لكن دروكاييم ركز بالأساس على دور المجتمع والاضطرابات المجتمعية، وتأثيرها على الفرد.
احيانا الإنسان يهرب من واقعه بطرق شتى منها بوسائل إيجابية وأخرى سلبية مثل تعاطي المخدرات، النوم، العنف، الانتحار، فلكل شخص طريقته في الهروب من واقعه، فالواقع احيانا مرير وغير مرضي للجميع، والبعض يتهرب منه، ونحن نصنف تلك الطرق حسب معتقداتنا وغرائزنا.
إن واقع مجتمعاتنا مجال خصب للدراسة والتأمل في ظاهرة الانتحار، بغية إعادة إنتاج كل الظواهر العبثية التي نعيشها اليوم، فالعالم من حولنا يبحث دائما عن حلول كشيء ملموس، ونحن نتناولها بشكل سطحي ولا هم لنا غير البحث في وصف الظاهرة، والحكم على الفاعل هذا لجهنم وذاك لسقر، والطعن والتشكيك في الدوافع والمسوغات التي جعلت من هذا الشخص يقدم على هذا الفعل بمحض إرادته، دون البحث في الاسباب الحقيقية وراء ذلك.
لقد حان الوقت لفهم الحياة، فغالبية الشعب اصبح يعيش على هامش الهامش، وبين سطور الظلم والقهر، البطالة، وتنخره الواسطة والمحسوبية وغياب العدالة الاجتماعية، والتخلف من جهة، ومن جهة أخرى المرض، والجهل والتخلف، وعدم الرعاية الصحية والنفسية، فدور الدولة والمجتمع لا يقتصر فقط على توفر الحماية المادية للفرد، بل والحماية النفسية ايضا.

اقرأ أيضاً:   إفلحوا..عالعشا… !

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى