الإداري الناجح ( الجزء الأول ) / موسى العدوان

الإداري الناجح ( الجزء الأول ) .
الدكتور السعودي غازي القصيبي أشغل وظائف عديدة في السعودية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، منها مدرسا في جامعة الملك سعود، رئيسا لمديرية السكة الحديد، وزيرا للصناعة والكهربا، وزيرا للصحة، وأخيرا سفيرا لبلادة في المملكة المتحدة. وقد نجح في جميع هذه المناصب التي أشغلها بصورة ملفتة.
ومن المفيد للقارئ خاصة إذا كان يشغل وظيفة رسمية أو خاصة، أن يطّلع على تجارب الدكتور القصيبي الإدارية في وزارة الصحة، وهي الوزارة البعيدة عن تخصصه للاستفادة منها في عمله. يقول الدكتور القصيبي في كتابه ” حياة في الإدارة ” ما يلي وأقتبس :
” الإداري الناجح على خلاف ما يتصوره الناس، ليس هو الإداري الذي لا يمكن أو يستغني العمل عن وجوده لحظة واحدة. على النقيض من ذلك تماما، الإداري الناجح هو الذي يستطيع تنظيم الأمور على نحو لا تعود معه للعمل حاجة إلى وجوده. أعتقد إني بعد هذه السنوات السبع وصلتُ إلى هذه المرحلة. عندما توليت وزارة الصحة بالنيابة كنت قادرا على أن أعطيها ثلاثة أرباع وقتي وأحتفظ بربعه فقط للوزارة الأصلية، هذه الوزارة التي استقر تنظيمها وأداؤها بحيث لم تعد تحتاج إلى المتابعة الدقيقة المباشرة.
حقيقة الأمر أني كنت ولا أزال، من المؤمنين أن الوزارة تكليف وليست مهنة. في أقل من هذه الفترة لا يستطيع الوزير تحقيق إنجازات تبقى، وبعد هذه الفترة يصعب عليه تحقيق إنجازات تذكر. بمعنى آخر، يعطي الإنسان كل جديد لديه على مدى خمس سنوات ثم يبدأ في تكرار نفسه. إذا أثبت الوزير كفاءة استثنائية فمن الأفضل للعمل وله أن ينتقل إلى وزارة أخرى. والحديث عن الوزارة الأخرى يقودني إلى الحديث عن تجربتي القصيرة المثيرة جدا مع وزارة الصحة “.
ي عام 1982 عين الملك فهد، الدكتور القصيبي بعد استمزاجه وزيرا للصحة. ويستطرد الدكتور قائلا : ” بدأت ما يمكن أن أسميه استفتاء شخصيا مع عدد من العاملين في القطاع . . . اتضح لي أن العقبة الرئيسية التي حالت دون تطوير المرفق الصحي هي عدم الانضباط. في كل ركن هناك شخص ( مدعوم ) أو يدعي أنه مدعوم، لا يستطيع أحد زحزحته.
واتضح لي أنه بدون إدخال انضباط صارم يشمل كل موظف في الوزارة كبيرا كان أم صغيرا، فإن شيئا لن يتغير. تبين لي أن السبب الثاني يعود إلى أن المراكز القيادية في وزارة الصحة لم تتغير عبر أكثر من ربع قرن رغم نغير الوزراء المتكرر . . . لم تكن المشكلة أنهم كانوا يفتقرون إلى النزاهة أو الكفاءة أو الإخلاص. كانت المشكلة أنهم درجوا على نهج معين من التفكير وكان من الصعب عليهم أن يغيروه . . .
بدأت عهدي في وزارة الصحة بداية مدوية. بدأت بزيارة مستشفى في جدة دون إنذار مسبق. ( اعتقد ولا أعلم أن الزيارات المفاجئة كانت نادرة الحدوث قبلي ) دخلت بدون بشت – لم ألبس البشت ( العباءة ) في أي زيارة – ووقفت مع المراجعين. بعد فترة عرفني أحد المرضى وجاء يسلم عليّ. تنبه الموظفون وتنبه المدير الذي جاء مسرعا بادي الاستغراب. كان خبر تكليفي بالوزارة أذيع ذلك الصباح، ولم يكن الخبر انتشر. ماذا يفعل وزير الصناعة والكهرباء في المستشفى ؟ عندما علم المدير أني وزير الصحة بالنيابة زاد استغرابه. ماذا يفعل وزير الصحة في المستشفى ؟ وعندما قلت له أنني أريد أن أزور كل شبر في المستشفى وصل الاستغراب حد الذهول.
كانت الأوضاع مزرية : كثير من النوافذ بلا زجاج، وطاولات الكشف مغطاة بالصدأ. كلما سألت المدير عن شيء قال لي : لا توجد نقود. عندما دخلت غرفة الغسيل اكتشفت جبالا من الملاءات القذرة، ووجدت أن الغسيل يتم بالأيدي وبالأرجل، بطريقة لم تتغير منذ نصف قرن. والمطبخ، حسنا لا أود الحديث عن المطبخ ! عندما أنهيت الجولة كنت مقتنعا أن المدير كان يرى الكثير من أجزاء المستشفى، كما كنت أنا أراها لأول مرة.
في مكتبه وجدت طقم مفروشات فخما لا تقل قيمته وقتها عن عشرين ألف ريال. قلت : كيف وجدت المبلغ لشراء هذا الطقم ولم تجد ألف ريال لإصلاح النوافذ ؟ لم يجب. نقلت المدير من موقعه إلى عمل آخر وجازيته بخصم راتب شهرين، ونشرت الخبر في الصحف. يبدو من ردود افعل الفورية، أن هذه كانت المرة الأولى التي يتخذ فيها إجراء صارم، على الأقل المرة الأولى التي يعرف فيها الناس باتخاذ إجراء صارم كهذا.

اقرأ أيضاً:   أعناق وأرزاق
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى