الأرقام واتخاذ القرار خلال الأزمات

الأرقام واتخاذ القرار خلال الأزمات
أ. د أحمد العجلوني
باحث أكاديمي وخبير اقتصادي

تهتم نظرية اتخاذ القرار بشكل كبير بالبيانات الكميّة (الرقمية) التي تتعلق بأي موضوع نحتاج اتخاذ قرار بشأنه، ولو نظر كل منّا في القرارات التي يتخذها على المستوى الشخصي لوجد أن للأرقام دور وأهمية كبيرين في قراراته. أما بالنسبة للمؤسسات والدول؛ فالبيانات الكميّة لها أهمية أكبر لأن القرارات فيها ذات درجة عالية من التعقيد والتشابك وحجم التأثير؛ ما يحتاج إلى إنشاء مؤسسات ودوائر حكومية، أو إدارات على مستوى المؤسسات والشركات تتخصص بالبيانات الكميّة لمساعدة صانعي القرارات ومتّخذيها لتحقيق أكبر درجة ممكنة من الرشد. ولهذا نجد بأن المؤسسات المتخصصة بالإحصاء لها أهمية كبيرة في الدول المتقدّمة، كما أن الشركات القوية تعتمد في قراراتها على بيانات كمية مستقاة من أبحاث ودراسات علمية رصينة. فالأبحاث والمسوحات الإحصائية العلمية تنتج أرقاماً على درجة عالية من المصداقية، وذات أهمية قصوى لا يهملها إلا المؤسسات والدول ذات الإدارات الضعيفة.
وتزداد أهمية الأرقام في الأزمات لأنها عنصر مهم جداً في اتخاذ القرار، ففي وقت الأزمات نحتاج إلى نوعية بيانات ذات جودة مرتفعة من حيث الدقة والكمية والتوقيت لاتخاذ قرارات سريعة وحاسمة وذات تأثير كبير على الناس. وهنا تتميز الدول والمؤسسات الناجحة بـ “ذخيرتها” من الأرقام لمواجهة الأزمات، والعكس بالنسبة للدول والمؤسسات الضعيفة التي تبنى قراراتها على الارتجال والتجريب والنجومية الإعلامية الفارغة للمسؤولين، والتي سرعان ما تنكشف؛ ولكن –وبكل أسف- بعد أن تتضرر البلاد ويعاني العباد من سوء هذه الإدارة للأزمة.
لقد سببت الحكومة معاناة كبيرة للبلد في هذه الأزمة؛ وجلبت على نفسها الكثير من المعاناة، وشقّت في قراراتها الاقتصادية -وجانب كبير من القرارات غير الاقتصادية- على الكثيرين بسبب غياب الأرقام والبيانات الدقيقة أو تجاهلها أو تعمّد إخفاءها. كل هذا أدى إلى عدم وضوح الرؤية، ونتج عنه اتخاذ القرارات بناء على أسس أبعد ما تكون عن الكفاءة.
ومن أمثلة المواضيع التي غاب عنها الرقم الموضوعي ما يتعلق بتقدير الخسائر والمكاسب الناتجة عن الأزمة، وما هي القطاعات الاقتصادية التي تضررت فعلاً وما هو حجم الضرر ومدى أثره، مقابل القطاعات التي استفادت من الأزمة. وعلى الرغم من الدعوة المبكّرة لتكوين “اللجنة الوطنية لتقييم الآثار الاقتصادية الناجمة عن أزمة الكورونا” إلا أنها ذهبت صيحة خافتة في وادي الحكومة الذي لا يسمع فيه إلا الصوت العالي من القطاعات الاقتصادية التي يلجأ أغلب ممثليها إلى تهويل الخسائر المحتملة وتضخيمها بشكل كبير وإخفاء أرباحها الإضافية نتيجة الأزمة، بل إن البعض استغل الأزمة لتعليق كل خسائره ومشاكله السابقة على شمّاعتها!
وشهدنا كذلك تخبطاً في القرارات المتعلقة بالقرارات ذات العلاقة بالبنوك والإجراءات التي فرضها البنك المركزي ومدى جدواها، وعدم وضوح الكثير من المعطيات الخاصة بها وأثرها على الاقتصاد. كما غابت الأرقام عن الأزمة غير المبررة الخاصة بعودة المغتربين، فلا أرقام حاسمة بالنسبة لأعدادهم ولا عن الأعداد التي ترغب بالعودة منهم ولا عن تصنيفهم حسب الدول أو الظروف الخاصة بهم وغير ذلك. كما أن بعض القرارات المتعلقة بهم مثل منع العودة بالسيارات أو مدة الحجر وغيره، والتي بدا بأنها لم تكن منطقية ولا مبررة، لم نجد أحداً يقّدم لنا بيانات تقنع الناس بها بأي شكل كان. كما غابت البيانات عن الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالمغتربين من حيث مساهمتهم في الاقتصاد من خلال الاستثمار، أو من خلال وجودهم في البلد وتنشيط الاقتصاد فيه، والرقم الوحيد المتاح هو مقدار التحويلات التي تصل بالطرق الرسمية فقط!
إن أي تبرير للأخطاء في إدارة الأزمة على أنه “ليس عندنا دليل جاهز لأن الأزمة غير مسبوقة” (كما يردد الكثير من المسؤولين عند انكشاف هذه الأخطاء) غير مقبول بالمطلق، ويجب محاسبة مرتكبيها بسبب تقصيرهم في أداء أمانة المسؤولية، ولأنه لو كان هناك أرقام ذات درجة مقبولة من الدّقة تبنى عليها القرارات وتعلن للناس بكل شفافية؛ ولو كان هناك إدارة علمية للأزمة تنظر للمصلحة العليا للبلد بدل النظرة الضيقة لبعض القطاعات فقط، وتتعامل مع الأردني كقيمة (وليس رقماً ضريبياً أو مبلغ تحويلات) لكفانا ذلك الكثير من حالات التخبط التي أرهقت البلاد والعباد وكلّفت البلد وأبنائه الكثير بدون مبرر ولا جدوى في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للفاعلية والقرار الرشيد.


https://www.facebook.com/ProfATAlAjlouni/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى