استهداف عشائر الأردن.. لم يعد الصمت ممكناً

استهداف عشائر الأردن.. لم يعد الصمت ممكناً
هديل الروابدة

الجميع في الأردن رفض المظاهر التي أعقبت نتائج الانتخابات البرلمانية، وما رافقها من إطلاق للعيارات النارية، والمغامرة بالوضع الوبائي، أو وقوع حوادث عرضية بسبب استخدام الأسلحة.

تزامن ذلك كله مع ظهور موجة من العداء تجاه العشائر فاقت في خطورتها وباء كورونا والعيارات النارية معا، فالوباء لا يهدد ثوابت وأركان الهوية الأردنية الجامعة، ولا يستهدف ضحاياه بدوافع ثأرية ولأسباب مشبوهة، ولا يعبد الطريق استعدادا لاستقبال مشاريع صهيونية كارثية.
هذا الاستهداف الممنهج والمبرمج ضد جوهر الهوية الأردنية وآخر معاقلها “العشيرة”، أولى بالضرب بيد من حديد، وأحق بإصدار قانون دفاع مضاد يحمي العشيرة ويعزز وجودها؛ قانون دفاع يلزم الدولة باستدارة جبرية نحو المحافظات المهمشة على امتداد الوطن، والشروع بتحصينها بخطط تنموية وإصلاحية، وتنفيذ مشاريع زراعية، صناعية، تعليمية، طبية، إلخ… ويحدّد سقفا زمنيا لتنفيذها.

لنعد إلى الوراء قليلا، فقبل عام، وضمن سلسلة لقاءات “مجلس بسمان” في الديوان الملكي الهاشمي، بحضور ثلة من أبناء عشائر الأردن، أقر الملك عبد الله الثاني بدور من وصفهم بـ”أهل النخوة والشهامة والمواقف الوطنية الأصيلة” في مسيرة بناء الوطن وتطويره. الإقرار الملكي، ومن قبله الشعبي، بمؤسسة “العشيرة” حليفا استراتيجيا للنظام، وضامنا لاستمراره، اعتمدت عليها الدولة في مفاصل تاريخية مهمة هددت استقرارها وهويتها، لم يمنع بعض الأبواق المشبوهة من استهدافها ومحاولة تشويهها، وإظهارها كيانا رجعيا همجيا متمردا على القانون.

اقرأ أيضاً:   حتى لا تتحول الدولة إلى عصابة!!

أمام كل هذا الاهتمام الملكي، لم يعد الصمت ممكنا ولا مسموحا تجاه هذا الاستهداف المحموم للعشائر، والذي يتبناه بعض منظري التيارات المنشقة عن الهوية وثوابتها وأركانها تحت شعارات زائفة وبذريعة المدنية والتحضر. العشائر الأردنية، بقوامها الفلاحي والبدوي، لا تتناقض مع التحضر الذي يطالب به مهاجموها، بل هي التحضر والمدنية والانفتاح والأصالة والمروءة ذاتها، هي خزان المشاعر العروبية والوحدة الوطنية والمشاريع القومية، الأكثر دعما للشعوب العربية، والحاضرة حين يغيب المنظّرون.

على أكتافها نهضت الدولة، وأرست قواعد النظام الهاشمي وثبتته، ومن رحمها ولد جيشنا العربي الباسل، وبدماء أبنائها صايل الشهوان ورفاقه قاومت المصفحات الإنكليزية، ومنها ارتقى كايد مفلح العبيدات شهيدا على أرض الحبيبة فلسطين، ولم تغب عن ثورات الشقيقة سورية ضد الاستعمار الفرنسي، وبسلاحها وبارودها ساندت جيشنا لكسر شوكة الإرهاب على أسوار قلعة الكرك، وفي جعبة التاريخ القديم والجديد ما يضيق النص عن ذكره.

ولا يغيب عن البال دور العشائر البارز في حل النزاعات، ورد الحقوق والكرامات لأصحابها، وتحقيق الغاية في الردع الخاص والعام.
كما رسخت ودعمت العملية الديمقراطية، فحين غابت الحركات الحزبية والبرامج السياسية، لاذ الأردنيون بالمكون الطبيعي والاجتماعي، بعشائرهم، لضبط عملية الترشح والاقتراع، فهل يلام الأردنيون على ضعف الحركة الحزبية والبرامج السياسية؟

اقرأ أيضاً:   عمي

على الأردني أن يكون ساذجا جدا ليصدق أن استهداف العشائر المستمر مدفوع بمتطلبات التحضر والمدنية، وأن التخويف المتكرر من أسلحة العشائر وشيطنتها مدفوع ببراءة دواعٍ أمنية وقانونية. تستعرض العشائر سلاحها كرمز للقوة، إلا أنه لم يرفع يوما في وجه الدولة، بل معها وخلف جيشها العربي، في المواقف المفصلية والحساسة. سلاح العشائر لم يَرفع ولا درجة واحدة نسب الجريمة، بشهادة التقارير الأمنية الرسمية، المنشورة بالأرقام والنسب التفصيلية لمن يرغب بمطالعتها.

تزعجهم العشائر، فيما لا تزعجهم ولا تؤرقهم خصخصة مقدرات الوطن وبيعها، ولا الفقر وارتفاع الأسعار والفساد، والمديونية التي كسرت ظهر البلاد والعباد، والطبقية “الوقحة”، والارتفاع المسعور لمعدلات البطالة بين الشباب، والمال الأسود، وغياب البرامج السياسية والأحزاب.
هؤلاء أيضاً، لا يهتز لهم رمش أمام خسارات عمال المياومة وصغار المزارعين وهروب المستثمرين، ومشكلات الصناعة وضعف التعليم، وتهتك البنى التحتية وشبكة الطرق وضحاياها. لكنك تراهم بوضوح، ترى ألسنتهم وأقلامهم تستقوي بلا هوادة على المكون العشائري الأردني بشعارات زائفة عن التحضر ونبذ الهمجية، والتهمة لمن يخالفهم جاهزة؛ “العنصرية”.

الأردن -لمن لا يعلم- أقل دولة ذات حضور عشائري (عددا وليس تأثيرا)، مقارنة بالأقطار العربية: سورية والعراق واليمن والخليج العربي، والمغرب العربي، فجميع أشقائنا في تلك الدول يعتزون بعشائرهم ويدافعون عنها، إذ إنها قصة تروي التاريخ والجغرافيا وأساس الهوية الوطنية، وليست قضية عصبية بغيضة.

اقرأ أيضاً:   تحرر الذات

العنصرية في أبشع صورها هي الصمت أمام مساعي هدم آخر معاقل الهوية الأردنية ومستقبلها، وتفكيكها وتجريدها من قوتها في ظل التخوفات من مشاريع إقليمية تستهدف الوطن، واستهداف الأردن هو الوجه الآخر لاستهداف القضية الفلسطينية وهويتها الأصيلة معاً. المطلوب في الوقت الحالي التركيز على الهوية الأردنية بوصفها هوية جامعة لا تقبل الإقصاء أو التهميش.

ولذا، لا بد من تمتين روابط الوحدة الوطنية، ونبذ الإقليمية والجهوية، لبناء الثقة بين أبناء الشعب الواحد، فنحن مقبلون على مرحلة جديدة تتطلب تضافر الجهود مع رؤية القيادة صاحبة شرعية الدين والتاريخ، والإنجاز في تلمس خطى المشروع النهضوي والإصلاحي، الذي لا رجعة عنه حتى يتمكن الأردنيون من العبور إلى بر الأمان، ومواجهة التحديات وتجاوز الأزمات بكفاءة واقتدار.
أما إذا بقينا في مدارات العاطفة والشعارات الحالمة والمجاملات والاتهامات المسبقة الجائرة بالعنصرية والعصبية، والحساسية المفرطة في تعاطينا مع قضية متعلقة بالوطن والشعب والهوية، فسنصحو ذات يوم وقد غدونا كتلة بشرية هجينة بلا ملامح ولا تاريخ، تلهث خلف لقمة الخبز وبذلّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى