إلى خيري منصور

مقال الأحد 23-9-2018
إلى خيري منصور
أخجل أن اكتب عنك وأنت “مستودع” الحرف وخازن البلاغة ، أخجل أن أستقرض منك في غيابك بعض براويز التعبير لأعلق صورتك الوقورة فوق عمودي لهذا اليوم..أخجل أن تنشغل ماكنات المطابع بمقالي عنك..وزاويتك تعبث بها ريح الرحيل..
اليوم لم يصل “أيميلك” للجريدة ، ولم ينشغل قسم “الصف” بطباعة حروفك على الزاوية كما كل يوم ، ولم تطفىء سيجارتك كما كنت تفعل بعد ان تختم المقال ،ولم تمسح زجاج نظارتك بمنديل ناعم كي لا تخذلك النقاط فوق الحروف، اليوم كان للزاوية شكل ضريح؛ لحد في الحبر ورأس ونصيبة ، اليوم توقف هديل حكمتك ونحن بأمس الحاجة اليها..
طيلة سبع سنوات قضيتها في الغربة ،كنت الرفيق الذي يؤنسني في صحيفة “الخليج” ، كنت أمشط الصفحات كمن يمشط ورق الورد بحثاً عن رحيق ، اقرأ العنوان أتنهّد طويلاً وأسأل نفسي ترى كيف خطر ببالك هذا الجنون اللغوي ، أرتشف الفقرة الأولى ، أمعن في الثانية ، أمشي بقلم الرصاص تحت صورة لا يستطيع صناعتها الا خيري منصور ثم أنقلها على دفتر خاص كان أول مقتنى يعود معي إلى وطني..طيلة سبع سنوات وأنا في الغربة ، لم تكن تغريني الصفحات الأولى الرسمية ، ولا يعنيني نوع الورق وشكل الخط ، كنت أبحث عنك لأصبح حراً، لينبت لجناحي زغب الفكر ، لأقرأ النثر المغلي بالسياسة ، ولأحلّق على غيم الشعر المطوي برسالة..ولا أخفيك أن قلت لك أنك كنت أجمل هناك ، فقد كنتَ وطني عندما كنتُ وحيداً حدّ االجنون..
كما أخبرني المقربون منك ، لك طقوسك حتى في الابتعاد ، تنأى بنفسك عن كل شيء قد يلهيك عن نفسك ، تكتب لأنك تحبّ أن تكتب ، لا تؤذيك بُرادة الأحداث الصغيرة ، ولا تشغلك خلافات “الوسط”..كنت بعيداً عن كل هذه المعارك الجانبية ،لتبقى قريباً من قرائك ، تتدّثر بزاويتك آخر النهار وتنام على ريش الفكرة..
رحل خيري منصور ، في أيلول ،مكفناً بورق الوقت وورق الورد..رحل وفي قلبه أمّة لا يطفىء نيرانها..سيجارة واحدة في آخر المقال..

احمد حسن الزعبي
[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى