الاصابات
745٬366
الوفيات
9٬635
قيد العلاج
6٬845
الحالات الحرجة
540
عدد المتعافين
728٬886

أنا وزوجتي وسنوات السجن الطويلة

أنا وزوجتي وسنوات السجن الطويلة

د. فايز أبو شمالة

حين كانت تأتي لزيارتي في سجن نفحة الصحراوي، كنت أسأل زوجتي عن أحوالهم في البيت، فكانت تقول لي: لا تقلق، نحن بخير، ربنا كبير، وفي غزة الخير كثير!

في ذلك الوقت، كنت أعود إلى غرفة السجن مندهشاً، من أين لهم ثمن الطعام والملابس والمصروفات اليومية؟ وكيف تقول لي: الخير كثير!

وفي كل مرة زارتني في السجن، كنت أسألها عن أحوالهم، كانت تردد الجملة نفسها: لا تقلق، ربنا كبير، والخير كثير!

عشر سنوات خلف الأسوار، وأنا أفكر بستة أطفال وأمهم، كيف يصرفون؟ كيف يعيشون؟ فقد تركتهم بوادٍ غير ذي زرعٍ، ولم أترك خلفي شيكل واحد في البيت؟ وقد تم فصلي من وظيفتي، وقطع راتبي مجرد اتهامي بأعمال معادية لإسرائيل، وتمت مصادرة سيارتي، فمن أين لأطفالي الستة وأمهم الملابس والمأكل والمشرب؟

اقرأ أيضاً:   رانية...شهيدة المنحة الدراسية

وما انفكت تردد في كل زيارة: لا تقلق، ربنا كبير، والخير كثير، حتى جاء يوم التوقيع على اتفاقية القاهرة 1994، وخرجت من السجن، وأنا أتوقع أن أنام تلك الليلة في غرفة مسقوفة بألواح الأسبست، كما تركتها منذ زمنٍ بعيد، فإذا بي أبيت تحت سقف من الباطون المسلح، فقد شيدت الأونروا لنا بيتاً جديداً، وبدل أن أجد الأسرة مدانة للناس، وجدت في البيت ستة آلاف دولار، تم ادخارها، ستة آلاف دولار في ذلك الوقت تشتري قطعة أرض على بحر غزة، ووجدت في البيت من الملابس والأغطية ما يكفي حاجة أهل البيت، ويفيض.

اقرأ أيضاً:   أسعار السلع الغذائية: هل الحكومة مستعدة؟

ووسط الدهشة، سألت زوجتي: من أين لكم كل هذا؟

قالت: مجرد دخولك السجن، دخلنا جنة الرحمن، وانهالت علينا الهدايا والعطايا والمساعدات، لم نعرف من أين انصبت علينا الأموال صباً؟ ونحن لم نصل بشراً بحاجة، ولم نمد اليد، ولم ندق على باب الجمعيات، ومع ذلك توفر لدينا الفلوس، والأغذية، والأغطية، والملابس، لقد عشنا في بحبوحة، بل صرنا نوزع معلبات وطحيناً وأرزاً وأغطية على الأقارب والجيران.

وأضافت زوجتي رحمها الله: نحن نساء الأسرى وأرامل الشهداء والفقراء والمحتاجين واليتامى والمساكين لا يتخلى عنا المجتمع، يفتح الناس لنا قلوبهم، قبل أن يفتحوا لنا جيوبهم، وتفتح لنا الجمعيات والمؤسسات الخيرية أبوابها، بل تتصل بنا إن ابتعدنا، وتسأل عنا إن تأخرنا، وتقدم لنا شتى أنواع المساعدات، كل ذلك في زمن الاحتلال الإسرائيلي، وقبل أن تنشأ مؤسسات رسمية لرعاية الأسرى والجرحى والشهداء والأيتام والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة.

اقرأ أيضاً:   رحيل الأسير الأول للثورة الفلسطينية

وأضافت بسخرية: كانت حياتنا المادية قبل خروجك من السجن أفضل مما نحن عليه اليوم!

استشهد بحال زوجتي وأنا سجين، لأصد كيد أعداء غزة، وهم يرددون: غزة جائعة، غزة تضحي بشرفها من أجل عشرة شواكل، أرامل الشهداء ونساء الأسرى تتسول الطعام والشراب، الأطفال الفقراء يبحثون عن طعامهم في الحاويات، اليتامى محرومون بائسون، ونسوا درس التاريخ الذي قال: على أرض فلسطين التي باركنا حولها لا يموت الناس من جوعٍ، فعلى هذه الأرض كوّار الزيت لا ينضب، وخابية القمح لا تفرغ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى