“آخر آذار” / د . محمد شواقفة

“آخر آذار”

كان يجلس في المقاعد الاخيرة للصف …فقد درجت العادة ان يكون الصف الاخير للطلبة الفاشلين او من اجبرتهم الظروف على ان لا ينجحوا…. كان ضخم الجثة عريض المنكبين… و زاده هيبة شواربه التي بدأت بالبروز شيئا فشيئا…. كان صوته ايضا خشنا فيه من الغلظة و الحشرجة ما يدع عبود الشاطر يلتزم بمقعده الامامي كل الاوقات….
كانوا يلقبونه بالعجل و لكن في الخفاء…. لم يكن يجرؤ احد على الاقتراب منه او لمس اغراضه… و كانت حدود سطوته تشمل كل اولاد الصف دونما استثناء… كل حسب مقدرته و ما يمكن ان يستطيع خدمة الزعيم المتوج…. لم يكن يحظى باحترام اي احد في الصف ، بل كانوا كلهم تملأهم الغبطة و الفرح في كل مرة يتورط العجل في واجب متأخر او عندما يفشل في قراءة آيات القرآن في حضرة استاذ الدين…. و لكنهم كانوا يخافونه ما بين الحصص و مشوار العودة للبيت….
كان عبود يساعده في واجباته بأن يكتبها له مع ان المدرس نبهه مرات عديدة لعلمه بمستواه المتدني…. كان الاستاذ يعرف ان عبود يفعل ذلك مكرها و لكنه كان يتغاضى عن ذلك…. حفاظا على سلامة عبود و خوفا عليه من بطش العجل…. كان حمودة يقتسم مصروفه بنسبة اربعة لواحد لصالح العجل….مقابل تأمين الحماية له من اي غدر او بطش…. مع معرفتهم بانه – اي العجل- هو مشكلتهم الوحيدة….
كان الاستاذ جسار ذو سطوة و هيبة و قد تنامى لمسمعه تمرد العجل و تحكمه في الصف صغيره و كبيره… و امره بالتأخر بعد الدوام والقيام يتنظيف دورات المياه أملا في كسر نفسيته و تحطيم كبريائه…. في الصباح كان الاستاذ جسار يستشيط غضبا و يهدد و يتوعد… فهيبته باتت في مهب الريح فهذا العجل واقف بالطابور غير آبه بأي شئ و دورات المياه لم تزل على حالها …. كان الجميع يترقب لحظة التصادم بين الاستاذ المهيب و الطالب صاحب المشاكل المتمرد…. و لكن الاستاذ فاجأ الجميع باستدعاء عبود .. و انبه تانيبا شديدا بتهمة مساعدة الطلبة في حل وظائفهم …. و طلب من العجل التأكد من ان عبود لن يغادر المدرسة قبل ان ينظف دورات المياه….
في الصباح… كانت هناك كتابة بالطبشور على حائط المدرسة بخط حمودة…. صباح الكرامة… 30/03
بنرفض احنا نموت … بالله جد !!
“دبوس يوم الارض ”

اقرأ أيضاً:   الى حيث لا أعلم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى