المنقولي
كانت شمس تموز تصفع وجوهنا ظهر ذلك اليوم، حين قصدنا المسجد، بعد أن اتفقنا أن المنقولي الذي يواظب على أداء جميع الصلوات فيه، بات فرصتنا الأخيرة للحصول على النقود التي ستؤمن لكل منا مقعده في الحافلة التي ستنطلق مساءً إلى المهرجان الذي يقام في القرية الأثرية المجاورة.
دخلنا المسجد وإذا بالإمام يهم بالوقوف، مخاطبا جمع المصلين، بضرورة الحضور المبكر إلى المسجد، عند كل صلاة ( ... وأخص بالذكر، أولئك الذين يدّعون التزامهم بتعاليم الدين، ويصرفون وقتهم في الدعوة إلى المواظبة على أداء الصلاة في وقتها، في حين أنهم المتأخرون دوما عن أدائها..) .
لم يكمل الإمام حديثه، حتى بدأ المنقولي يشير بيده إلى الشيخ الذي يجلس أمامه، والذي بدا مرتبكا، حين التهمت وجهه نظرات المصلين، بابتساماتهم المبهمة، دون أن يعلم بما فعله المنقولي من خلفه.
وقفنا بباب المسجد بعد أن انتهت الصلاة، في انتظار "المنقولي"، الذي كعادته، خرج آخر المصلين، يتبختر في تيه وتؤدة، وابتسامته تطغى على تفاصيل وجهه المترهلة. فيما لم يخل الأمر من صفعة خفيفة يتلقاها على رقبته، أو ضغطة اصبع في بطنه، كدعابة، من قبل المصلين الذين بدت السعادة واضحة في وجوههم، جراء ما فعله ..!
انفردنا به بعد أن فرغ الشارع من المصلين والمارة، وضعنا أذرعنا على كتفيه، كما يفعل الأصدقاء.
- يا لك من بطل شجاع، إن ما قمت به للتو بطولة تستحق عليها أن يحترمك الجميع، لا بل سيحسب لك أهل القرية منذ اليوم، ألف حساب. ومكافأة لك على صنيعك هذا، قررنا أن تذهب بصحبتنا مساء اليوم إلى المهرجان.
همس صديقي في أذنه، بينما كنت أراقب ردة فعله.
انشرحت أساريره، وأخذ يطلق ضحكته المتقطعة المعهودة، لإطرائنا الذي راق له، دون أن يخفي بين تجاعيد وجهه، ذلك الحذر الذي استوجبه توددنا المفاجئ له. صمت قليلا ، ثم هز رأسه موافقا على دعوتنا.
- لكن قد نحتاج أن نقترض منك أجرة الحافلة التي ستقلنا إلى مكان الحفل، وبالتأكيد سيكون ذلك دينا في أعناقنا، نوفيك إياه غدا.
قلت ذلك بحتمية، دون أن أبقي لديه أي خيار للرفض.
وقتها،شرع المنقولي يرفع ذراعينا عن كتفيه، متحسسا كيس النقود، في جيبه الخلفي المنتفخ.
- لكني سأدفع ما لدي من نقود، أجرا للحلاق، فأنا ذاهب إليه الآن.
قال بلهجته التي لا يفهمها إلا من تعود الحديث معه. استشاط غضبنا لكذبه المفضوح، حيث أنه أصلع، وحتى لو كان لديه شعر على رأسه، فنحن نعلم أن الحلاق لن يطلبه أجرا مقابل ذلك، فقد تعود أهل القرية أن يقدموا له كل ما يحتاج، دون مقابل، طمعا في بركته، وطلبا للأجر.
لم نحتمل إهانته الصريحة. ملأ الغضب صدرنا فأطلقنا لألسنتنا العنان:
- تبا لك ولنقودك، أنت مجرد منقولي أخرق، متشقق اللسان، غبي، شكلك مضحك، ولن تعيش أكثر من أربعين عاما على أكثر تقدير.
غادرنا مقفيا دون أن تظهر على وجهه أي من أمارات التأثر، رغم كل ما نثرناه على مسامعه من الشتائم. ظل يمشي في تيه، وبين الفينة والأخرى ، يلتفت تجاهنا، مطلقا ابتسامة مستهترة.
شعرنا بصمت خانق،كاد يطبق على أنفاسنا. الشوارع خالية، والقرية خاوية على سكونها، ولا من يقاسمنا الخيبة، سوى حمار طليق، يستفيء ظل أحد الجدران قبالتنا.
- لو كانت لدينا دراجة هوائية، لما كنا بحاجة إلي ذلك التافه ذي اللسان العريض المتشقق.
- لكن يبدو أن هذه الأمنية لن تتحقق، منذ زمن طويل ونحن نخطط لشرائها، دون جدوى.
تبادلنا الحوار حول أمنيتنا القديمة، بينما كنا نجمع الحصى بشكل آلي، نصوبها باتجاه الحمار، الذي لم يتزحزح من مكانه قيد خطوة.
بعد فترة من الزمن، ليست بقصيرة، تكوم خلالها الحصى حول الحمار القابع في فيئه ، بدأت شوارع القرية، تلثغ بأصوات الخطى التي تدب فوقها، فبدأنا نخرج من إحساسنا بالضيق شيئا فشيئا، إلى أن امتلأت الحارات والأزقة بالحركة، لنصبح نحن، الصامتين المستمعين الوحيدين في القرية.
كنا اشبه ما نكون بلوحة، تعبر عن الجمود، على هيئتنا بقينا، دون حراك، نجلس في باب المسجد، نراقب الحمار المتسمر في مكانه، دون أن يلفت انتباهنا كل الذين مروا بنا من البشر، خلال ذلك الوقت. إلى أن حدث ما أجبر لوحة البؤس تلك على أن تتحول إلى مشهد صاخب، بعث علينا بشعور مؤلم لم نختبره من قبل. فقد أطل المنقولي برأسه من نافذة الحافلة المتجهة إلى المهرجان، ينظر إلينا شامتا، وقد أخرج لسانه ساخرا على وقع غناء الأولاد، داخل الحافلة ، وقد غمرهم الفرح دوننا.
كان شعورنا بالحنق والحزن، يزيد من ارتباكنا، كلما تذكرنا وجوه الأولاد، تزهو مرحا ، أما لسان المنقولي الممدود، فقد كان كافيا ليملأ قلوبنا بمزيد من الحقد والغضب كلما تذكرناه.
- سألقنه درسا قاسيا، حالما يعود، ذلك المنقولي الخبيث.
صحت بأعلى صوتي، وقد استغربت تصرف صديقي، الذي اتجه صوب الحمار، فاعتلاه بحركة خاطفة، ثم اشار إليّ أن أستعجل الصعود خلفه.
- سنستقل الحمار إلى هناك. لن نسمح لذلك المعتوه أن يشعر بأنه قادر على قهرنا.
قال بصوت مجروح، فضح حزنا عميقا، تلألأ في عينيه. ركبت خلفه، ثم أذعنّا للصمت مجددا.
لم نتمكن من حساب الوقت الذي استغرقته رحلتنا، لكن وهن الحمار،وتدافع أفواج كبيرة من البشر، كانت تخرج من مكان الحفل، لتستوطن الساحات، كان كافيا لإعلان هزيمتنا.
ترجلنا عن الحمار، وسقناه في غير وجهة محددة، إلى أن أثار فضولنا، تجمع كبير من الناس، كان معظمهم من السياح الأجانب.
حال وصولنا المكان، تبين لنا بعد السؤال، أن سبب التجمع، هو أن شخصا كشف للسياح احتيال أحد الصبية، الذي كان يوهمهم بوضع طلقة يأخذها من فمه، يلقمها لبندقية "الخردق" ، ويعدهم بجائزة لكل من يصيب الهدف. لكنه في الواقع كان يبقي الطلقة في فمه، ويلقم البندقية هواءً.
ما سمعناه من الناس، زاد من فضولنا، حول هوية الشخص الذي قام بكشف عملية الاحتيال تلك. شققنا طريقنا بين الزحام،لنلقي نظرة عليه، نتبين شخصه، وفجأة اصطدم نظرنا بجبهة المنقولي، وقد أحاطه السياح، وأخذوا يغدقون عليه العطاء. وعندما تنبه لوجودنا، استأنف حركاته الاستفزازية ذاتها، ما أوقد لهيب الغضب في صدورنا مجددا.
ما تلقيناه من ألم طوال ذلك اليوم، جعلنا نشعر بأننا لن نحتمل المزيد، فقررنا العودة على عجل. سرنا مطأطئي الرؤوس، نتقدم حمارنا، نجر أذيال الهزيمة بتعب.
في الطريق، استوقفنا مجموعة من السياح، فهمنا منهم أنهم يودون ركوب الحمار. أبدينا موافقتنا واشترطنا عليهم الأجر مسبقا، وما هي إلا دقائق قليلة حتى تسلل الفرح إلى قلوبنا، وكأن شيئا لم يكن، وأن يومنا قد بدأ للتو.
قبضنا أجرتنا التي كانت أكبر مبلغ نحوزه طوال حياتنا، ثم ركبنا الحمار.
- ما لدينا من المال، يكفي لشراء دراجة هوائية ويزيد.
قال صديقى، ثم بدأت حناجرنا تصدح بترنيمات الفرح، والحمار يسير بنا على مهل.
وصلنا القرية ، يجتاحنا شعور غامر بالنصر، ولم نزل على ظهر الحمار عندما توقفت بجانبنا حافلة سياح أنيقة. نزل منها أحدهم، لوّح له من فيها مودّعين، ثم أطلقت بوقا قويا تحية له، فأجفل الحمار ، وسقطنا عن ظهره. غادرت الحافلة التي كانت تشكل ستارا بيننا وبين من أنزلته، لتكشف لنا عن ذات اللعنة التي تتبعنا أينما ذهبنا.
كنا ما زلنا نتحسس مواضع الألم في جسدينا، ننفض عن ملابسنا غبار السقوط، حين بدا لنا المنقولي في قمّة وقاحته، يشرب عصيرا فاخرا، مؤكد انه أحد المكافئات التي حصل عليها من السياح. نظر إلينا بسخرية، تخللها إشارات جسدية بلهاء شامتة، ضحك لها من التفوا حولنا من المارة.
نهضنا بعجالة، تلافيا لمزيد من السخرية والإحراج، متحاملين على الأوجاع التي انتشرت في سائر عظامنا.
- سوف لن نكون بحاجة إلى منقولي ، تافه، حقير، مثلك، بعد اليوم.
صحنا به، وقد فردنا رزمة النقود التي حصلنا عليها، أمام عينه.
مضيت وصديقي كلا إلى بيته، وقد أصبح حلمنا في اقتناء دراجة هوائية أمرا واقعا. في الطريق ، جمعنا الحصى، وأخذنا نصوبه نحو الحمار الذي هرول أمامنا، دون أن تغيب عن مسامعنا قهقهات المنقولي المستمرّة البعيدة.