كابوس
أحس هواءً حاراً وجافاً يقتحم عليه غرفة نومه ثم يدخل عبر مسامه ويجوس قليلاً في الجسد قبل أن يستقر برأسه...
كان يمكن ان ينقلب إلى جنبه الآخر ويتم نومه عازياً الأمر إلى النافذة المفتوحة والحر الجاثم خارجها الذي أغراه المكان فاقتحمه، إلا أنه أدرك ،بين الصحو والمنام، أن هذا أمرٌ مستبعدٌ،خصوصاً وأن الفصل شتاء..!
قام من فراشه بسرعة وتعثر إذ فعل بشيء ما،أشعل الضوء، فانساب لزجاً وبطيئاً في جو الغرفة الخانق ..غادرها وتوجه نحو غرفة الجلوس ..كان الضوء الخافت في الممر ينعكس على رفوف الكتب المصفوفة حسب طريقة التجليد والحجم...ولشده استغرابه ، كان كم هائل من الكلمات بأبعاد ثلاثية يتراكم على الأرض ..!! إنحنى عند إحداها باندهاش وقرر أنه- لا بدَّ - أمام احتمالين لا ثالث لهما ...فإما أنه جنّ (وقد كان دوماً يحس بأن العقلانية والجنون قراران شخصيان على كلٍ منّا أن يتخذ أحدهما في اللحظات الأولى من بعض النهارات..!!) – إما هذا أو أنه لا زال في دنيا الحلم، ولم يكن مستغرباً أن يحلم، بل أنه في بعض الأحلام كان يستمتع بفعل ما يشاء متذرعاً بالحلم..!
متحصناً باحتمالاته - وكعادة الناس بفرض منطق ما على الأشياء قبل التعامل معها -مدّ يده نحو الكلمات المتبعثرة يقلبها وكانت كلمة "طفولة" هي تلك التي مد يده ليلمسها أولاً وفي باله المرح، وشيءٌ من الصخب، ومعنىً لا يتكرر للفرح والدهشة ،كأنه كان يفكر في "عالم صوفي" حين مد يده نحوها ، لكنه الخوف هو الذي داهمه حين جسها..!
لقد تسرب إليه الشعور من الكلمة عبر يده الممسكة بها وطغى على نفسه.. رعبٌ وظلام، ألعابٌ محترقة وصوتٌ متكررٌ لطرقٍ بعيدٍ بيدٍ ثقيلةٍ ثقلَ الموتِ على بوابةٍ ضخمةٍ ضخامةَ السماء..
هاله ما داهمه، فنفضَ يدهُ برعبٍ وبدونِ تفكير وكأنه يحاول أن يـُعادل الشرَّ بالخيرِ كي لا يُسيطر على حلمهِ ويتملكه، مدَّ يدهُ ولاذَ بأُخرَى.....
كانت كلمة "الأم" ملقاةً على قربٍ، وبمن سواها تلوذُ حين تنكركَ الأماكنُ وتضيعُ الدنيا منطقها؟
غير بعيد كانت حروفها الأربعة اللا متناهية "لا، لن تخيب هذه أبداً ...!" فكرّ، ومد يده إليها، لم يرَ شيئاً في البدء لكن رائحة عطر رخيص انبعثت فصارت تتسلق الأشياء، وتلت الضحكة المنتشية صرخات رضيعٍ تشق عتم الليل.... كان بكاء موجعاً، بدأ صاخباً حياً، ثم ما لبث أن ضعف حتى اختفى تماماً، ثم غرق المكان برائحة النفاية ..عند هذه اللحظة بالذات ودّ لو يستجمع أفكاره ليغادر هذا الحلم الذي يختلف بشكل لافت عن كل أحلامه الأخرى... أراد لو يقنع نفسه بأنه حلم فيأمل حينها أن ينتهي بالاستيقاظ ...فكر أن يعيد برمجتها عصبياً فكرر بصوت آمر: "هذا حلم، حلم سيئ، استيقظ " لكن يده التي مست بالخطأ كلمة أخرى من الكلمات المكومة أمامه استجلبت له رؤيا جديدة ..كانت ساكنة فارغة، وأوشك هذا أن يبدو أكثر راحة من صخب الكلمة السابقة... ربما لــ... لتلك القيمة الزمنية التي تفصل بين شهيق وشهيق ...!! لقد كان المكان فارغاً حتى من الهواء! رفع يده الممسكة بالكلمة إلى رقبته مستجدياً الهواء فرأى الكلمة ..كانت لعجبه كلمة (وطن)... نفض يده ليبعدها ، لكنها كانت ملتصقة كمعدن ساخنٍ، متقد، يتوق بشراهة لسطح طري رطب... لكنها كانت باردة جداً رغم حريقها فنفضها بقوة أكثر - كان يشهق مدخلاً الهواء لصدره الذي اشتاقه بصوت عالٍ، مجرحٍ، مؤلم – وغمر يده بسائل ملون يموج سطحه بانعكاس النور عليه رآه توّا ينساب من كومة الكلمات ، حاول أن يفرك أصابعة المتحرقة بالسائل، لكنه كان ينساب عبر أصابعه كالرمل الجاف ...
-"يحتاج إلى الراحة.." سمع الصوت الواثق يخاطب شخصاً آخر بنبرة آمرةٍ "وإلى الكثير من السوائل أيضاً.." وبأصابع ملتهبة وصدر مجرح حاول أن يشكل إشارة ما أو كلمة توحي لأولئك المجتمعين حول سريره أن "لا ...لا أريد أي راحةً ولا – بالذات ..!- أي سوائل...!"
كان مستعداً للخروج بعد ستةِ أيام استعادت بها الأشياء اعتيادها على مهل ... كانت أصابعه تقلب في قنوات التلفاز المشنوق إلى الجدار حالما تنتهي بعض المعاملات الورقية حين استقر على الأخبار، ولفرط اندهاشه كان حلمه هناك على شاشته الملونة ، بكل تفاصيله ..روته المذيعة المتأنقة باعتيادية ذكرته تماماً بالألم الجاثم من أثر الحلم في صدره.... مادت به الأماكن حين هبّ واقفاً لكنه لم يجرؤ على أن يستند لجدار: "أتكذب كلها وتصدق
أنت..؟" كاد يخاطبه ، لكنه عاد إلى السرير على مترنحاً على عجل... أغمض عينيه بسرعة كما النائم ، ثم فتحهما....وبلا شعورٍ بالذنب: اتخذ القرار.